الحر العاملي

99

تواتر القرآن

من الاستدلال . وما الفرق بين هذا وبين أن يريد أحد لكتابة آية ويكون حاضرا بين جماعة من القرّاء - يزيدون على عدد التّواتر - فيقول : لا أكتبها إلّا من مصحف فيؤتى بمصحف واحد فيكتبها منه ؟ ! وهل ينافي ذلك تواتر هذه الآية ؟ ! على أنّ عدم الوجدان لا يدلّ على عدم الوجود ولعلّ زيدا لقلّة تتبّعه أو عجزه عنه لم يجدها إلّا مع واحد ووجدها باقي المسلمين مع جماعة كثيرة . فقد عرفت أنّه لم ينفرد بذلك ومع ذلك فالخبر قد عرفت ضعفه جدّا وأنّه دعوى من زيد غير مسلّمة بل لها معارضات شتّى ، منها ما دلّ على أنّ القرآن كان مجموعا محفوظا كلّه ولم يزل كذلك وغير ذلك ممّا تقدّم . وقوله : « فكانت الصّحف عند أبي بكر ثمّ عند عمر ثمّ عند حفصة » لا يدلّ على عدم نسخ أحد لها بل لا ريب أنّ النّاس كتبوا لها نسخا كثيرة وبقيت نسخة الأصل محفوظة ، أو بقيت النّسخ المكتوب منها عند المذكورين أو عند أربابها احتياطاً في ضبط القرآن وحفظه إلى زمن عثمان ولا أقلّ من الاحتمال . وأمّا الأخبار الثّلاثة الّتي تلي خبر زيد فلا إشكال فيها إلّا في قوله : « إنّهم كانوا لا يكتبون آية إلّا أن يشهد شاهدان » أو « أمروا بذلك إلّا آخر براءة فكتبوها بشهادة شاهد جعله الرّسول عليه السّلام بمنزلة شاهدين » وليس هذا بنصّ على نفي التّواتر لما عرفت سابقا ، ولعلّهم رتّبوا هذه المقدّمات جهلا منهم أو ظنّا أنّ بعض الآيات غير متواتر أو خوفا من زيادة يأتي بها بعض المنافقين أو لأجل الاحتياط وبذل الجهد في التّتبّع أو إظهاراً لذلك ولا يستبعد منهم الجهل وقلّة العلم على قواعد الشّيعة بل هو ضروريّ . وقد روى الخاصّة والعامّة أنّ أبا بكر نذر أن يذبح جزوراً إذا حفظ سورة البقرة ، فحفظها في مدّة عشرين سنة ، وبعد فمن أين ثبت أنّه بقيت منه آيات أو آية واحدة لم يشهد بها شاهدان بل مائة ؟ ! وقد تقدّم في الجواب عن ذلك ما فيه كفاية ودلالة على ذلك بطريق الأولويّة وهو الكلام على آخر براءة وغيرها